- حوار مع المستشار الدكتور علي جريشة
- قراءة في تفسيره (في ظلال القرآن)
- رسالة دكتوراه في المشروع النقدي لأديب القرن العشرين
- الإصلاح الاجتماعي والسياسي في مشروع سيد قطب
![]() |
|
الشهيد سيد قطب |
ما أضيعَ أمة لا تعرف حق أبنائها الذين ضحوا بدمائهم وأرواحهم من أجل رفعتها وتقدمها..!! وما أجهل من يردد الكلمات كالببغاء دون فهمها ونقدها..!!
إن الأمة اليوم مطالَبةٌ- وهي في سبيل نهضتها- أن تعيد إلى أبنائها حقوقَهم المهضومة بعد أن لقوا وجه ربهم، والحقوق هنا لا تغني شيئًا سوى الاعتراف بفضلهم وتقدير ذكراهم.
يأتي في صدارة هؤلاء الذين ضحَّوا بأرواحهم ودمائهم العلاَّمة الشهيد الأديب مفسر القرآن الكريم سيد قطب رحمه الله تعالى.
لقد كان صاحب مشروع فكري ودعوي غير مسبوق، اهتمَّ بالإصلاح الاجتماعي من منظور إسلامي، تعرَّض في سبيل ذلك إلى السجن والاعتقال، ثم أصدر الطغاةُ حكمَهم عليه بالإعدام ليخلَّد اسمُه في التاريخ مفكِّرًا وداعيةً ومُصلحًا اجتماعيًّا ثائرًا على الفساد بكل أشكاله.
وُلد الشهيد سيد قطب في 9/10/1906م، وحصل على الشهادة الابتدائية عام 1918م، ثم سافر إلى القاهرة في سنة 1920م ليلتحق بمدرسة المعلِّمين، ثم تجهيزية دار العلوم سنة 1925م، ثم كلية دار العلوم سنة 1929م، وبعد تخرجه عُيِّن مدرِّسًا في وزارة المعارف، وفي عام 1948م سافر في بعثة إلى الولايات المتحدة للاطِّلاع على مناهج التعليم ونُظُمه، وهناك سمع باغتيال الإمام الشهيد حسن البنا في فبراير سنة 1949م فتحركت لديه مشاعرُ الخوف على الإسلام، خاصةً عندما رأى الفرحة باديةً على وجوه الأمريكان العاملين في المستشفى الذي كان يعالج فيه.
عاد الشهيد إلى القاهرة وكله عزمٌ على الاتصال بالإخوان المسلمين، وبدأ في كتابة مشروعه الدعوي والأدبي الكبير الذي توَّجَهُ بتفسيره في ظلال القرآن، هذا بجانب قائمةٍ طويلةٍ من المؤلَّفات في الدعوة والفكر والنقد والأدب والإصلاح الاجتماعي وديوان شعر.
اختلف الشهيد العظيم مع ثوَّار يوليو عندما بدا عليهم التنكُّر للاتفاق مع الإخوان لتطبيق الشريعة الإسلامية فأصدروا حكمًا ظالمًا بإعدامه في 29/8/1966م.
ثار العلماء والدعاة والمثقفون على جريمة إعدام الشهيد سيد قطب، وخاصةً بعد أن رفض جمال عبد الناصر كل الوساطات من زعماء العالم العربي والإسلامي، التي دعته للإفراج عن الشهيد وقبوله في بلادها.
من أقوال الشهيد العظيم: إن كلماتنا تظل عرائس من شمع حتى إذا مِتْنا في سبيلها دبَّت فيها الحياة.
وحقًّا بعد أن مات الشهيد أصبح اسمُه لامعًا في سماء العالم الإسلامي، لكنَّ السلطات الغاشمة تأبى إلا أن تحاول إثارة الضباب حول الشهيد وأفكاره، فوجَّهت إليه اتهاماتٍ بأن كتبَه تحوي بذورَ التكفير، وأن جماعات العنف خرجت من عباءته.. هذا رغم أنه الشاعر الرقيق والأديب المثقف والداعية الحصيف والعالِم الموسوعي. إننا اليوم مطالبون برد السهام عن هذا العلَم الكبير.
![]() |
المستشار جريشة ينقض الاتهامات لسيد قطب بالتكفير
![]() |
|
المستشار علي جريشة |
والمستشار علي جريشة دارس بعمقٍ لقضايا التكفير، لذلك رأينا أنَّ الحديث معه يكون له طابع مميز إذا ناقشنا الاتهام الموجه إلى الشهيد سيد قطب وعلاقته بأفكار التكفير وهو ما دأب البعض على ترديده. فإلى هذا الحديث:
* في البداية سألناه عن الاتهام الذي دأبت أجهزة الأمن ومن سايرها على ترديده وهو أن الجماعات التي مارست العنف خرجت من عباءة الشهيد سيد قطب- رحمه الله- وأنَّ فكرة التكفير موجودة في كتبه؟
** قال المستشار علي جريشة: بالتحقيق العلمي الأستاذ سيد قطب- رحمه الله- ليس مسئولاً عن هذه الجماعات، أما الأخذ بالشواهد فإنه قد يجعله مسئولاً.
* كيف؟
** التحقيق العلمي يثبت أن الأستاذ سيد قطب ليس مسئولاً؛ لأنَّ ما قاله من عبارات لا يؤخذ بها معنى التكفير، وقد أكد ذلك أخوه الأستاذ محمد قطب الذي نفى عنه تمامًا هذه التهمة، لكن القارئ العادي أو المغفل (ويدخل في ذلك رجال أمن الدولة طبعًا)، قد يفهم أنَّ الأستاذ سيد قطب مسئول، وذلك بسبب عباراته الأدبية التي استخدمها والتي قصد بها أن يُثير الهمم ويحفز الأمة النائمة على النهوض من رقدتها لترفض الاستكانة للظلم، وفي سبيل ذلك استخدم ألفاظًا قوية فمثلاً- على ما أذكر- بعض عباراته تقول: "مَن فعل ذلك فقد انتفى عنه الإيمان" وهم يفسرون نفي الإيمان بأنه حكم بالتكفير لكن بالتحقيق العلمي نرى أن نفي الإيمان لا يعني التكفير وإنما يعني بقاء الإسلام والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (الحجرات: من الآية) فهذا مثال لما ورد من مقولات الأستاذ سيد- رحمه الله- فالألفاظ القوية التي استخدمها كانت تهدف إلى حفز الهمم وإيقاظ المشاعر، وذلك فإنَّ كتاباته لا يؤخذ منها معنى التكفير إلا من وجهة نظر السطحيين والمغفلين.
ويواصل المستشار الدكتور علي جريشة: وفي تفسيري للقرآن الكريم في الربع الرابع من سورة المائدة والربع الخامس من سورة آل عمران أخذت بالرأي الذي ذهب إليه الأستاذ سيد قطب رحمه الله- في أن الذي يمتنع عن تطبيق شرع الله عامدًا تتحقق فيه الصفات الثلاث وهي (الكافرون- الظالمون- الفاسقون)، ومثل ذلك تفسير الأستاذ سيد لقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النساء: من الآية 56) فهنا نجد أن القرآن الكريم نفى الإيمان والبعض تصوَّر خطأً أن هذا يعني حكمًا بالتكفير وهذا غير صحيح لأنه ينفي الإيمان لكنه يبقي الإسلام.
* في هذا الصدد أين تضع ما سجله العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في مذكراته حول هذه القضية، وخاصةً أنَّ هناك مَن لا يوافق على استخدام الشهيد سيد قطب للفظة الجاهلية؟
** أنا قلت أنه يشتبه على القارئ العادي أما أن يشتبه على رجال العلم فهذا ما لا يمكن أن يفسر، وأنا أثبت بالتحقيق العلمي أن الأستاذ سيد -رحمه الله - لم يقصد التكفير.. إن مسألة التكفير في رأيي مسئول عنها جهات أخرى.
* ما هذه الجهات؟
** هي ثلاث جهات تحديدًا، وهذا ما أعلنته في السبعينيات من القرن الماضي عندما ظهرت قضية التكفير الشهيرة وهذا ما ذكرته كثيرًا في مناسبات عديدة أمام القضاء في المحاكمة وفي الندوات العامة أمام الجماهير وقلت: إن الجهة الأولى المسئولة عن التكفير هي العصابة التي حكمت مصر منذ انقلاب 23 يوليو 1952م.
وهؤلاء العصابة كانوا يعلمون أنَّ الحكم بالقرآن واجب، ومع ذلك لم يعملوا به فإذا جاء مَن يتهمهم بالكفر فإنه يكون معذورًا لأنهم تنكروا لشرع الله ولا عذر لهم.
والجهة الثانية: هي أجهزة الأمن التي مارست التعذيب بأبشع الوسائل فهي التي اضطرت المعذبين إلى الإحساس الشديد بالظلم فقام مزيف منهم بتكفيرها لأنها مارست أعمالاً غير إنسانية على الإطلاق وامتهنت كرامة الإنسان المسلم وأهانت علماء الدين فمثلاً جرى تعذيب سيدة فوق الستين في حضور رئيس الدولة، وقاموا بتعذيب الشيخ محمد عبد المقصود من الإسماعيلية وهو فوق الستين من عمره، وأحضروا أمامه ابنتيه وهما في سن 18، 19 سنة ونزعوا عنهما ملابسهما أمام والدهما الشيخ الكبير وهو يبكي من بشاعةِ الموقف.
كما قاموا بتعذيب طفل (6 سنوات) أمام أبيه عبد الحميد عفيفي (سائق أتوبيس النقل العام)، وجلدوا الطفل أمام أبيه والطفل يصرخ ويرجو أباه أن يعترف للزبانية ليرحمه هؤلاء المجرمون.
والجهة الثالثة هي أجهزة الإعلام التي تمارس فجورًا لا حدودَ له، وتعرض الأغاني والمسلسلات والأفلام الخليعة التي تناقض القيم الإسلامية. ولذلك فإنَّ هذه الجهات الثلاث هي المسئولة عن نشأة التكفير في مصر.
وأنا أرى أنَّ الذين وقعوا في التكفير هم ضحايا وليسوا متهمين ومطلوب محاكمة الجهات الثلاث السابقة؛ وهي ضباط انقلاب يوليو وأجهزة الأمن وأجهزة الإعلام المختلفة.
الجاهلية
* بالنسبة لاستخدام الشهيد سيد قطب للفظة الجاهلية ووصف المجتمع بها كيف تفسرون ذلك؟
** أنا بينت ذلك في كتابي (نحو نظرية في التربية الإسلامية)، وأرى أن الأستاذ سيد- رحمه الله- يمكن أن تقول عليه هنا أنه اجتهد فأخطأ، لكنَّ خطأه ليس فاحشًا لماذا؟ لأنه في الحقيقة تنقصه فقط الدقة العلمية في استخدام لفظ الجاهلية واستعمل بدلاً من ذلك لفظًا أدبيًا.
والرسول- صلى الله عليه وسلم- قال لأحد الصحابة: "إنك امرؤ فيك جاهلية"، ولذلك كان على الأستاذ سيد قطب أن يقول (مجتمع فيه جاهلية)، وليس (مجتمع جاهلي)
كان عليه أن يقول: الأفراد فيهم جاهلية؛ لأن كل مسلم من الممكن أن يكون فيه جاهلية رغم أنه يُصلِّي ويُزكِّي ويصوم ويؤدي الفرائض.
والصحابي قال لأخيه: يا ابن السوداء فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم:"إنك امرؤ فيك جاهلية".
ولذلك فإنَّ التعبير الذي استخدمه الأستاذ سيد- رحمه الله- تنقصه فقط الدقة العلمية.
معنى ذلك أنه يجب التعامل مع تراث الشهيد سيد قطب بمراعاةِ الأسلوب الأدبي الذي استخدمه.
نعم لأن الأستاذ سيد- رحمه الله- كان يوقظ أمةً نائمةً فكان لا بد له أن يصرخ فيها لتنهض.
دعاة لا قضاة
![]() |
|
المستشار حسن الهضيبي |
* نأتي إلى كتاب (دعاة لا قضاة) للإمام الهضيبي.. هل كان هذا الكتاب ردًّا على أفكار الأستاذ سيد قطب؟
** لقد عايشت هذه الفترة معايشةً تامةً والذي حدث أن فكر التكفير نشأ في المعتقلات، وانتبه له الإخوان المسلمون وردُّوا عليه، والأستاذ الهضيبي المرشد الثاني للإخوان أصدر كتابه ردًّا على هؤلاء، وأخذ عليهم البيعة من جديد وقام بفصل 12 من الإخوان مَن اعتنقوا فكرة التكفير وبدءوا بتكفير مَن يعذبونهم في السجون ثم الحاكم الذي يأمر هؤلاء بالتعذيب ثم المجتمع الساكت على هذا الحاكم، وبذلك كفَّروا المجتمع كله.
وإزاء ذلك كتب الإمام الهضيبي بمساعدة ابنه الأستاذ المأمون كتاب (دعاة لا قضاة)، والأستاذ المأمون هو كاتب معظم الكتاب بإقرار وموافقة والده فهما الاثنان مؤلفا الكتاب.
* لكن هل كان هذا ردًا على الشهيد سيد قطب بشكلٍ غير مباشر؟
** لا، وإنما كان ردًا على أفكار الذين كفَّروا المجتمع وهم داخل المعتقلات.
* ما الذي يمنع أن يكون هؤلاء قد تأثروا بأفكار الشهيد سيد قطب وفهموها على نحوٍ معين؟
** ليس هناك ما يمنع طبعًا، ولكن يجب أن نلاحظ أنَّ هؤلاء قاموا بتكفير الإخوان المسلمين أيضًا ضمن تكفيرهم للمجتمع ككل.
![]() |
|
المستشار/ سالم البهنساوي |
* دارت معركة حول الأستاذ سيد قطب بين كل من المستشار سالم البهنساوي والأستاذ محمد قطب شقيق الشهيد سيد قطب، وكان محور الخلاف مَن الأولى بتفسير أفكار سيد قطب جماعة الإخوان أم شقيقه، خاصةً أنَّ الأسلوب الأدبي للشهيد يحتمل أوجهًا عدة واحتمالات تطرح خلافات كثيرة في تفسيرها... ما رأيكم في هذه القضية؟
** أنا أقول أنَّ كلا الطرفين على صواب، وأنا أعذر الحدة في التعبير التي استخدمها الأستاذ سيد قطب؛ لأنه كان يصرخ في الجماهير النائمة كما سبق أن قلت، حتى جماهير الإخوان كانت نائمة في ذلك الوقت مثل باقي المجتمع، فاضطر الأستاذ سيد إلى أن يصرخ في الجميع منبهًا وموقظًا.
قطب والمودودي
الإمام أبو الأعلى المودودي

* هناك من يردد أنَّ الشهيد سيد قطب نقل أفكاره عن الأستاذ أبي الأعلى المودودي الذي نشأ في مجتمع غير مسلم بكامله، وهو شبه القارة الهندية، مع أن الأمر مختلف في مصر؛ حيث المجتمع مسلم.. كيف ترون هذا الطرح؟
** الأستاذ المودودي- رحمه الله- عالم جليل ونحن نعترف بفضله وجهاده وعلمه، لكنه رغم ذلك لم يكن- رحمه الله- فقيهًا، والحقيقة أنَّ أفكار الأستاذ المودودي قد لاقت تجاوبًا لدى الأستاذ سيد قطب الذي كان يبحث في نفس القضية، لكنَّ الحقيقة أيضًا أنَّ الأستاذ سيد قطب لم ينقل أفكار المودودي نقلاً حرفيًا، وإن كان قد تأثَّر به، وبالإضافة إلى ذلك إنَّ الأستاذ سيد قطب كتب بأسلوب أدبي ولم يكتب أحكامًا فقهية ولم يستخدم لغة الفقهاء؛ ولذلك لا يكون الأستاذ سيد قطب مسئولاً عمَّا فهموه خطأً.
![]() |
|
الإمام الشهيد/ حسن البنا |
* القارئ لتراث الإمام الشهيد حسن البنا وتراث الشهيد سيد قطب يلاحظ ضعف الارتباط الفكري بين الشخصين.. ما مدى صدق هذه الرؤية؟
** كان الأستاذ سيد قطب يُجلُّ الإمام البنا ويعتبره أستاذه ويعتبر نفسه من تلاميذه، لكنَّ الإمام البنا عاش في فترة انتهت عام 1949م، أما الأستاذ سيد قطب فقد تجلَّت مكانته وزاد أثره الفكري في فترة الستينيات، ويصح هنا أن نقول: إنَّ سيد قطب يمثل الجيل الثاني في الإخوان، ولم يعايش الإمام البنا مباشرةً وهو في ذلك- مع الاعتذار للصحابة- رضي الله عنهم- يشبه التابعين الذين جاءوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
ولذلك يكون طبيعيًا أن يظهر سيد قطب كمفكرٍ مستقلٍ، لكن هذا لا يعني تنكره للإمام البنا وسقف الدعوة والفكر الإسلامي متسع جدًا.
* اليوم وبعد مرور أربعة عقود على استشهاد العلامة الأستاذ سيد قطب.. ما الذي بقى من مشروعه الدعوي والفكري؟
** كل ما كتبه ذخيرة لعصرٍ جديدٍ وللأجيال التالية.
* أخيرًا.. كيف تنظر على الفتاوى التي أصدرها بعض علماء الأزهر ضد الشهيد سيد قطب؟
** هؤلاء ينطبق عليهم وصف الشيخ الشعراوي- رحمه الله- بأنهم علماء السلطان، وفتاوى أمثال هؤلاء تحتاج إلى تقويم علمي، والرد عليها علميًّا، وهي مرفوضة تمامًا لأنها صدرت بناءً على توجيهٍ سياسي.
![]() |
"في ظلال القرآن"..عندما يتحول النص إلى واحة
بقلم: د. خالد فهمي*
![]() |
|
القرآن الكريم |
وهو تفسير يدرك أنه قام على بيانِ ما في القرآن الكريم من تصوراتٍ أراد الله سبحانه أن تقود خطوات البشرية الضالة نحو السعادة، فلقد تسلَّم الإسلامُ القيادة بهذا القرآن وبالتصور الجديد الذي جاء به القرآن، وبالشريعة المستمدة من هذا التصور فكان ذلك مولدًا جديدًا للإنسان أعظم في حقيقته من المولد الذي كانت به نشأته.
لقد أنشأ هذا القرآن للبشرية تصورًا جديدًا عن الوجود والحياة والقيم والنظم، كما حقق لها واقعًا اجتماعيًا مزيدًا كان يعز على خيالها تصوره قبل أن ينشئه لها القرآن إنشاءً.
وأهم سمة تميز كتاب سيد قطب أو تفسيره هي أنه تفسير حركي، وأرجو أن نقف مليًا أمام هذا اللفظ الذي من أجله قال في ختام مقدمته ما نصه: "هذه بعض الخواطر والانطباعات عن فترة الحياة (أي حياته هو) في ظلال القرآن".
وهذان اللفظان وردا في هذا السطر الواصف لعمله في التفسير لا يصح أن يفسر ذلك التفسير الشائع بين الناس، فالخاطر نحو الانطباع هنا ليس كلامًا خاليًا من المنهج، وإنما المرد بهما في تعبير سيد قطب هو إرادة الإفادة من معاني القرآن الكريم في خدمة الواقع، وبيان التصورات الجديدة للقرآن الكريم ومحاولة قياس واقع الحياة المعاصرة بها، لنرى مدى المفارقة القائمة في حياة الناس وواقعهم عندما خاصموا النص الكريم، وجافوه، وابتعدوا عنه.
ولستُ أنفي هذا الكلام من باب الإعجاب بتفسير سيد قطب، بل من باب الدرس الموضوعي العلمي لذلك التفسير الفريد، ومن باب المعرفة بطبيعة سيد قطب العلمية.
يقول الدكتور إبراهيم عوض في كتابه (من الطبري إلى سيد قطب دراسة في مناهج التفسير ومذاهبه) (ص 265) : "وليس التذوق الأدبي للنص القرآن عند سيد قطب مجرد نزعة انطباعية غامضة تعتمد على الوجدان الزائد وحده، كما يقول بعض الدارسين، بل يحكم هذا التذوق عنده عدة ضوابط".
وما يهمنا في التعقيب هو التقاط أنَّ ثمة ضوابط تحكم ما سمَّاه هو نفسه خواطر أو انطباعات.
وإذا
كان الدكتور إبراهيم عوض جعل منهج سيد قطب في تفسيره قائمًا على منهج
التذوق الأدبي، فلأنَّ الباحث الكريم التفت إلى عددٍ من الأمور تجلَّت في
ثنايا التفسير كله وهي التاريخ الفكري والثقافي لسيد قطب، واشتهاره
بممارسة النقد الأدبي تنظيرًا بكتابه الرائد (في أصول النقد الأدبي) من
جانب وتطبيقًا بدراسته عن كثير من الآباء الذين أسهموا بكثير من أعمالهم
الأدبية شعرًا أو رواية.. إلخ.
كما أنه شاعر كان قريبًا من الأصوات الوجدانية (الرومانسية) في تاريخ الحركة الشعرية في مصر، ومشايعته للعقاد، وانتصاره له أمر معروف متداول.
هذا كله بالإضافة إلى اللغة البيانية الرائعة التي كَتَبَ بها تفسيره، لدرجة يمكن القول معها: إنَّ تفسير قطب أو وقفاته وخواطره التي سمَّاها في ظلال القرآن يمكن أن تعد نصًّا أدبيًا له عناصر الشعرية أو الأدبية من مجاز وتصوير وخيال.
لكننا مع إقرارنا ببروز هذه السمة الأدبية الطاغية على التفسير إلا أننا نرى أن نصنفه تحت قسم جديد هو قسم "التفسير الحركي".
وتقصد بهذا المنهج قراءة النص الكريم، وبيان ما فيه، أو تفسيره في ضوء الهدف الذي أُنزل من أجله، وهذا في تصور سيد قطب ضغط حركة الكون والإنسان فيه، ورد البشرية الموغلة في شعب الضلال إلى حركة يحكمها تصور إرادة الله سبحانه.
وهذه الحركة أمرٌ ظاهر من أول سطور التفسير، يقول سيد قطب: "عشتُ أتملى في ظلال القرآن، ذلك التصور الكامل الشامل الرفيع النظيف للوجود لغاية الوجود كله، وعناية الوجود الإنساني، وأقيس إليه تصورات الجاهلية التي تعيش فيها البشرية في شرقٍ وغربٍ، وفي شمالٍ وجنوبٍ، وأسأل كيف تعيش البشرية في الدرك الهابط، وفي الظلام البهيم وعندها ذلك المرتع الزكي، وذلك المرتقى العالي، وذلك النور الوضيء"، وكل تلك الأوصاف إنما المقصود بها هو القرآن الكريم.
وسيد قطب دائم التذكير بعصابات المضللين وجماعات المخادعين الذين يعادون البشرية عندما يضعون تصورات مخالفة لمنهج الله ثم يقهرون هذه البشرية على السير في هذه الدروب المظلمة التي تنال من إنسانيتهم.
وهو يرى من منظور المنهج الحركي هذا ضرورةَ النظر إلى قضايا الوجود مرتبة وفق أولويات محددة أتى في قمتها ما سمَّاه التسمية الموفقة بقضية الوجود الكبرى، وهي توحيد الله سبحانه التي تكفَّل القرآنُ المكي وهو أكبر في تعداد سوره من القسم المدني، وأمر ذلك ميسور التفسير؛ لأنه بمثابة الأساس الذي يقوم عليه بيانُ الجماعة المؤمنة في ضبط حركتها في الحياة، ثم تأتي قضية إقامة شريعة الله سبحانه في الأرض.
فالاحتكام إلى منهج الله في كتابه ليس نافلةً ولا تطوعًا ولا موضعَ اختبار، إنما هو الإيمان والأمر، والأمر إذنْ جد، إنه أمر العقيدة من أساسها، ثم هو أمر سعادة البشرية أو شقائها، إنَّ هذه البشرية وهي من صنع الله لا تفتح فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله، ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يده سبحانه وتعالى، وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كل مغلق وشفاء كل داء ﴿وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ (الإسراء: من الآية 82).
من جانب ثانٍ فإنَّ آثار ثقافة سيد قطب الأدبية والنقدية تبدت في مجموعةٍ من الآليات والإجراءات حافظ عليها في طول تفسيره.
من أهم هذه الإجراءات النظر إلى السور من باب إن كل سورة تمثل كيانًا متكاملاً متناسقًا مترابطًا، أو ما يُسمَّى بلغة النقد الأدبي هناك وحدة موضوعية تفعل عملها في تلاحم أجزاء السورة كلها، ومن أجل ذلك حرص سيد قطب في مفتتح كل سورة، وقبل التعرض لبيان تفسير الآيات بشكلٍ تفصيلي أن يكتب كلمة افتتاحية تمثل الغرض أو الموضوع الذي تمثله السورة أو تحاول أن تُعالجه من وجهةِ نظره مدعومة بالأدلة من لغة السورة.
فهو يهتم في كل سورة قرآنية بالعثور على الخيط الذي يربط آياتها كلها بعضها ببعض، وهو يسميه "المحور" الذي تدور عليه آيات السورة وموضوعاتها ويجعل منها وحدة فكرية وموضوعية.
وفكرة المحور هذه فكرة تؤكد له ما سميناه بحركية التفسير، يقول في مفتتح سورة الدخان (44 مكية): "شبه إيقاع هذه السورة المكية بفواصلها القصيرة، وقافيتها المتقاربة، وصورها العتيقة، وظلالها الموحية.. شبه أن يكون إيقاعها مطارق على أوتارِ القلب البشري المشدود".
ويكاد يكون سياق السورة أن يكون كله وحدة متماسكة، ذات محور واحد، تشد إليه خيطها جميعًا، سواء في ذلك القضية، ومشهد القيامة ومصارع الغابرين والمشهد الكوني، والحديث المباشر عن قضية التوحيد والبعث والرسالة، فكلها وسائل ومؤثرات لإيقاظ القلب البشري واستجاشته لاستقبال حقيقة الإيمان حية نابضة كما يبثها هذا القرآن في القلوب".
ويبدو من هذا المفتتح الذي حرص في كل سورة على الوفاء به، وفاءً لبيان تلاحم النص- مدى ما احتشد به سيد قطب من معارف جعلت من تفسيره هذا تفسيرًا مؤسسًا على العلوم اللازمة لأي نشاط تفسيري للكتاب العزيز، فما ذكره من علاماتٍ في المفتتح من قصد الآيات... إلخ هي علامات رصدها علماء علوم القرآن، مما يذكرنا بنفي أن يكون هذا التفسير مجرَّد انطباعات بالمعنى المتداول بين الناس.
أضف إلى هذا إقامة الحياة وفق المفهوم القرآني، وتوظيف كافة الوسائل لإقامة هذه الحركة الإنسانية متناسقةً مع التصور الإيماني كما يريده القرآن الكريم.
على أنَّ الحرص على فكرة الوحدة المتماسكة، والمحور الواحد، ليست جديدة على النشاط التفسيري للنص الكريم، فعلماء علوم القرآن الكريم يعرفون علمًا هذا هدفه هو "علم التناسب"، أو تناسب الآيات والسور وهو علم يبحث في تعاقب الآيات والسور بهذا النسق في المصحف الشريف، وهو علم يقرر أولاً النص كله وحدة متلاحمة، وأن سورة بما فيها من آيات تربطها حكمة ترعى مبدأ التلاحم ومن أشهر من كتب في هذا المجال هو برهان الدين البقاعي (885هـ)، وقد وصل إلينا تفسيره نظم الدين في تناسب الآيات والسور، وقد طبع في اثنين وعشرين مجلدًا في حيدر أباد بالهند.
وما لاحظه الدكتور إبراهيم عوض من أنه كثير الذكر لأمور السياسة والحضارة يؤكد ما سميناه منهجًا حركيًا يسعى لضبط حركة الإنسان في الكون بتصور القرآن الكريم باعتباره مفتاح القفل الذي يمكنه التعامل مع الإنسان، الذي هو خلق الله.
على أني أُحب أن أقول إنَّ تفسير سيد قطب ينبغي أن يقرأ في ضوء أمرين أساسيين حتى لا يكون أداة لسوء الفهم، وسوء الاستنباط وهو ما حدث في مراحل تاريخية محددة، وهو بريء من آثارها، فلم يكن سيد قطب باعتباره الجناح الضخم بعد حسن البنا في التنظير للإخوان داعية عنف أو إرهاب.
الأمر الأول: أن تفسير سيد قطب باعتباره تفسيرًا حركيًا لا يصح أن يُقرأ إلا في استحضار مقولة (الدعوية) بمعنى أن كتاب سيد قطب ليس كتاب أحكام، وليس هو معنيًا بهذا لا في المقام الأول ولا حتى في المقام العاشر، وإنما هو كتاب (دعوة) ومنطق الدعوة قائم على استثارة العاطفة وإرادة رد الجماهير إلى طريق الله.
وغير خافٍ أنَّ الجماهير الذين استقبلوا هذا التفسير أو كتب لهم هم جماهير عصرٍ تألَّبت عليه جماعات من المضللين وفق أقوال سيد قطب، والذي رأى أنهم ابتعدوا كثيرًا من تصور الله المراد من كتابه العزيز ومن هنا فإنَّ كثيرًا من الألفاظ الاستبدادية والإنكارية ينبغي أن تفهم في ضوء مراد سيد قطب الدعوي الذي قد يكون فضفاضًا بعض الشيء من المنظور العلمي.
الأمر الثاني: أنه لا يصح قراءة هذا التفسير بمعزلٍ عن فكرة المحنة التي كان يعيش في أجوائها باعتبار موقعه التنظيمي من حركة الإخوان المسلمين، وهو الأمر الذي انتهى باستشهاده.
وأن آثار هذه المحنة جعلت عاطفته المتوقدة تشتعل عند كثير من صور عرض صور النار أو قصص الطغاة والمتجبرين في القرآن الكريم.
لكن يظل تفسير سيد قطب استنباطًا من عنوانه يرى في القرآن الكريم الماء النمير والهواء الرطب العليل والظل الوارف الظليل إن طبقت أوامره في حياة أشبه بالجحيم أو على حد تعبير أولفييه كاربيه في كتابه في ظلال القرآن رؤية استشراقية فرنسية: "إن كتاب الظلال يقدم بما لا شك فيه البرهان والفكر والصفاء للمعارضة الإسلامية ضد كل نظام سياسي مستبد".
وأساس هذا البرهان وهذا الفكر هو الرجوع إلى النص القرآني وتدبره، إلى محاولة استرجاع بيئة الواحة أو السعادة، ومن أجل ذلك كان الظلال!
![]() |
- الإمام المودودي: ليلة إعدام الشهيد سيد قطب شعرت باختناقٍ حقيقي
- د. جابر قميحة: أستاذ جيلنا بكامله وتعلمنا منه الكثير
- د. إبراهيم عوض: يكفي أنه لم يتراجع عن آرائه وأقدم على الشهادة في صبر وثبات.
إعداد- عمرو محمود
في كتابه عن أعلام المراكز الإسلامية المعاصرة ينقل المستشار عبد الله العقيل روايةً عن الشيخ خليل الحامدي- سكرتير الإمام المودودي- هذا نصها: "غداة تنفيذ حكم الإعدام في الشهيد سيد قطب دخلنا على المودودي في غرفته، وكانت الصحافة الباكستانية قد أبرزت الخبر على صفحاتها الأولى فقصَّ علينا الإمام المودودي هذه القصة: "فجأةً أحسستُ باختناقٍ حقيقي، ولم أُدرك لذلك سببًا، فلمَّا عرفتُ وقتَ إعدام الشهيد سيد قطب في الصحافة أدركت أنَّ لحظة اختناقي هي نفس اللحظة التي شُنِق فيها سيد قطب".
ويقول الدكتور أحمد عبد الحميد غراب: "لا ندَّعي العصمة للشهيد سيد قطب ولا لغيره من العلماء والدعاة المسلمين، فكلٌّ يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم- صلى الله عليه وسلم- ونحن لا نُقدِّس الشهيد، ولكن نقدره ونوفِّيه حقَّه، ولا نتجنَّى عليه، ولا نطعن فيه، وما أضيعَ أمة لا تعرف حق علمائها العاملين وشهدائها المجاهدين، وهم الذين قال فيهم: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد: من الآية 4).
أستاذ جيل بكامله
أ. د. جابر قميحة

الدكتور جابر قميحة- أستاذ الأدب والنقد بجامعة عين شمس- يقول: كان الشهيد سيد قطب (رحمه الله) من أبرز النقاد ومنظِّري الأدب في العصر الحديث؛ حتى إنه وهو طالب في كلية دار العلوم ألقى محاضرةً بعنوان "مهمة الشاعر في الحياة" وطُبِعت بعد ذلك في كتاب، وقدَّم لها أستاذُه الدكتور مهدي علام- رحمه الله- الذي تنبََّأ في هذه المقدمة أنَّ سيد قطب سيكون من أعظم كُتَّابِ هذا العصر.
ويضيف الدكتور جابر قميحة: لقد تتلمذنا على كتب الشهيد سيد قطب ومنهجه النقدي، وكانت كتبه تمثل السراج للشباب بجانب كتب الإمام "البنا" و"أبو الحسن الندوي".
ويشير إلى منهجه الفريد في تفسيره الرائع "في ظلال القرآن، الذي استطاع فيه أن يبرز القيم الإنسانية الإسلامية العليا في أداءٍ تعبيريٍّ أخَّاذ، متفاديًا الخلافات الفقهية والتاريخية.. لذلك كان تفسيره اسمًا على مسمى.
تجاهل مشروعه النقدي
ويتأسف الدكتور جابر قميحة على حال النقاد اليوم الذي كتبوا عن كل من هبَّ ودبَّ، وأسقطوا اسم سيد قطب من قائمة النقد الأدبي، مع أنه الأعلى قائمةً، والأسلم منهجًا، والموسوعي فكرًا وعلمًا.
ويضيف: ومن الظلم الشديد الذي تعرَّض له الشهيد سيد قطب اتهامُه بزرع فكرة التكفير وهو منها براءٌ، وهو في ذلك مثل الشهيد عبد القادر عندما حُكم عليه هو وإخوانه بالإعدام وصدر تصريح رسمي من هيئة كبار العلماء بأن هؤلاء يستحقون القتل؛ لأنهم يحاربون الله ورسوله وجزاء هؤلاء معروف!! وبعد أن انتهى حكم عبد الناصر أكد العلماء المعتبرون العدول أنَّ هؤلاء قُتلوا ظلمًا وعدوانًا، وما جاء هذا الرأي إلا بعد تغير الأحوال والظروف.
طراز فريد بين الأدباء
الدكتور إبراهيم عوض- أستاذ النقد الأدبي بكلية الآداب بجامعة عين شمس- يرى أنَّ الشهيد سيد قطب كان طرازًا فريدًا بين الكتَّاب والأدباء، لا يملك الواحد إلا أن يحترمه، سواءٌ وافقه أو خالفه على رأيه؛ حيث لم يعرف منه- رحمه الله- أنه تزلف لأحد من أصحاب الأمر والنهي ولا نافق أحدًا في موقف من المواقف، بل لقد بلغت صلابته في الرأي والعقيدة أنه لم يفكر في التراجع عن آرائه عندما صدر ضده حكم الإعدام في عام 1966م، وكان في إمكانه أن يبديَ شيئًا من المرونة لينقذ رقبته.. لكنه لم يفعل، مع أن البشر بحكم طبيعتهم يتمسكون بالحياة.
أما بالنسبة لمكانته في دنيا الأدب والنقد والفكر الإسلامي فالمعروف أنه كان- رحمه الله- شاعرًا كبيرًا وله ديوان شعر وإن لم يحظ هذا الجانب بما يستحقه من دراسات، كما كتب بعض الروايات، مثل: المدينة المسحورة، وأشواك، وكذلك كتب- رحمه الله- سيرته الذاتية في كتاب بعنوان "طفل من القرية"، وهي عمل مهمٌّ لمَن يحاول التعرف على الجو الثقافي والاجتماعي في الريف المصري.
وفي مجال النقد يؤكد د. إبراهيم عوض أن المرحوم سيد قطب كان الناقد الأول عن جدارةٍ واستحقاق بما كتبه في مجلة الرسالة، وقد تجلت عبقريته الفذة في النقد الأدبي من خلال كتابيه "مشاهد القيامة في القرآن"، و"التصوير الفني في القرآن"، وهما الكتابان اللذان تدَّرب فيهما قلمه على السياحة في كتاب الله، ولما اكتملت لديه القوى الكافية أخرج لنا كتابه الفريد في التفسير "في ظلال القرآن" الذي شرَّق وغرَّب وفاقَ التفاسير الأخرى الموجودة.
ودافع الدكتور إبراهيم عوض عن الشهيد سيد قطب فيما كتبه د. النديهي في كتابه "ثقافة الناقد الأدبي" الذي اتهم فيه سيد قطب بأنه لا يجيد لغةً أجنبيةً؛ ولذلك لا يستطيع أن يكون ناقدًا، وردَّ عليه عوَض بأن النديهي نفسه لا يمكنه الإحاطة بلغات أجنبية كثيرة، فهل هذا يجعله لا يصلح أن يكون ناقدًا؟!
كما كتب عنه في كتبه (فصول من النقد الأدبي) و(من الطبري إلى سيد قطب.. دراسة في مناهج التفسير ومذاهبه)، وحلل فيها نتيجةَ تناول كتاب الله الجديد الذي جاء به، كما ناقش بعض القضايا التي أثارها، مثل شدته في نداء الأمة إلى النهوض رغم أن الأمة نائمة فعلاً، ويرى الدكتور إبراهيم عوض أنَّ الشهيد سيد قطب كان يحمل هم الأمة النائمة كلها، رحمه الله رحمةً واسعةً.
![]() |
رسالة دكتوراه في المشروع النقدي لأديب القرن العشرين
- سيد قطب من أعلام النقد في القرن العشرين
- بدأ مشروعه مع العقاد وانتهى إلى مذهب الرافعي
- اختلف مع طه حسين في كون القرآن الكريم نثرًا أم لا
متابعة- عمرو محمود
عرفت الحركة الأدبية سيد قطب شاعرًا وناقدًا، منذ أن كان طالبًا ينشر إنتاجه في الصحف، كالبلاغ والجهاد وروز اليوسف والأسبوع وأبللو.. إلخ، وكان كتابه الأول دراسة نقدية بعنوان (مهمة الشاعر في الحياة) الصادر في العام 1933م، ونُشر ديوانه الأول (الشاطئ المجهول) في العام 1935م.
سار سيد قطب على خطى العقاد حتى صار حامل لواء اتجاهه الأدبي، والمدافع الأول عن مدرسة العقاد الأدبية، ويعتبره كثيرون الناقدَ الأدبي الأول لمجلة الرسالة، بَيد أن سعيَه الحثيث إلى التفرد والاستقلال جعله يُخرج مجموعةً من الكتب النقدية والأدبية، مثل التصوير الفني في القرآن عام 1945م، وكتب وشخصيات عام 1946م، ومشاهد القيامة في القرآن، والنقد الأدبي في عام 1947م، وبالطبع فإن إنتاج سيد قطب الأدبي أكبر بكثير من هذه الكتب، ذلك أن مقالاته النقدية ضاع منها الكثير.. ما بين إهمالٍ في جمعِها من الصحف والمجلات وبين أجهزة الأمن التي استولت على عدد كبير من الأعمال المخطوطة، فأصبحت في حكم المعدومة.
لذلك لم يكن غريبًا أن يصبح المشروع النقدي لسيد قطب محل دراسات أكاديمية عديدة، من بينها رسالة الدكتوراه التي أعدها الدكتور أحمد البدوي بجامعة الخرطوم وطبعتها الهيئة المصرية العامة للكتاب.
رحلته مع النقد
تثبت الرسالة من سطورها الأولى أن سيد قطب كان مهتمًا في مشروعه النقدي بالشعر، وسبب ذلك في رأي د. أحمد البدوي هو دأب سيد قطب على قرض الشعر وموالاة نشر قصائده في الصحف والمجلات، ولا يعني هذا أنه أغفل الأجناس الأدبية الأخرى، لكنها لم تحتل مكانة الشعر في مشروعه النقدي، فهو يحاول تحديد ماهية الشعر على أنه فرع من شجرة الفنون الجملة التي يفضل تسميتها "المُثُل الرفيعة"؛ لما في ذلك من دلالة قوية على مهمة الفنون ودورها في الرقي بالنفس الإنسانية إلى ما هو أسمى من المعهود والمألوف.
غير أن تأثره بمدرسة العقاد جعله عنيفًا في نقده لشعر أحمد شوقي ومصطفى الماحي؛ مجاراةً لأستاذه، بل كان يرى في العقاد مثلاً أعلى للشعر (رغم أنه في الحقيقة لم يكن كذلك) وهكذا ظل سيد قطب يجاري العقاد في مذهبه النقدي إلى أن جاء موعد صدور كتاب (التصوير الفني في القرآن)، وذهب به إلى العقاد متوقِّعًا استقبالاً حسنًا، فإذا بالمقابلة تنمُّ عن حقدٍ ظاهر على إنجاز سيد قطب الذي كان يرى في العقاد أستاذًا له، وهنا بدأ قطب يُعيد ترتيب فكرته عمن كان يظن فيه المودة والثقة، والحقيقة أن العقاد لم يُعرف عنه أبدًا الترحيب بإنجاز أدبي يرى في نفسه إمكانية القيام به، وكان معروفًا عن العقاد ثقته المفرطة في مواهبه حتى وصفه كثيرون بالتكبر والاستعلاء والأنانية.
بين الرافعي والعقاد
أ. مصطفى صادق الرافعي

التطور هو سنة الله في الحياة.. هذا ما يؤكده موقف سيد قطب من كل من العقاد والرافعي، فقد بدأ معجبًا بالأول وانتهى إلى الدعوة إلى مذهب الثاني في الأدب الإسلامي، فعندما كتب محمد سعيد العريان ترجمةً لحياة الرافعي في مجلة (الرسالة)، تناول فيها الخلاف بين الرافعي والعقاد، وجاء فيها أن الرافعي كتب مقالاً عن ديوان العقاد (وحي الأربعين) عام 1933م، فردَّ عليه العقاد في جريدة (الجهاد) فجرحه واتهمه في وطنيته، وكان رأي العريان أن مقالَ الرافعي من خير ما كُتب في نقد الشعر، فما كان من سيد قطب إلا أن تصدَّى له مشيرًا إلى كثرة الإسفاف والشتائم في نقد الرافعي، وانتهى إلى عقد موازنة بين الرجلين فالعقًَّاد أديبُ الطبع والفطرة السليمة، والرافعي أديبُ الذهن الوضَّاء، والعقاد منفتح النفس، ريان القلب، والرافعي مغلق من هذه الناحية منفتح على العقل وحده، وطاقة العقاد وعالمه أرحب من طاقة الرافعي وعالمه.
غير أن العريان يعلق على ما كتبه سيد قطب قائلاً: ما أتى به من النقد ليس بشيء عندنا، ثم ينتدب محمود شاكر ليتولى الرد على سيد قطب، ودارت المعركة بين القطبَين الكبيرين قطب وشاكر، لكن الأيام تدور دورتها، وتنقطع أوصال علاقة قطب بالعقاد ويدعو قطب إلى مشروع الأدب الإسلامي، أي أنه دعا إلى المذهب الذي كان يتبناه الرافعي.
سيد قطب والأدب الإسلامي
يؤكد د. أحمد البدوي أن أولى التفافات سيد قطب إلى الإفادة من التراث الإسلامي في الأعمال الأدبية كانت تنحصر في خَلْق طرائق التغيير، مثل الجمال الفني في القرآن الكريم، فدعا إلى "تملي طريقة القرآن في التصوير والتظليل، فهي أعلى طريقة فنية للأداء، وأن نقلها إلى عالم الأدب خليقٌ بأن يرفع هذا الأدب إلى آفاق رفيعة لم نصل إليها حتى الآن، فهلموا إلى النبع الأصيل نبع القرآن" ليستقي الأدب من ذلك الينبوع، مفيدًا من طريقة القرآن في التصوير الفني الذي سبق أن كتب عنه دراسةً فريدةً متميزةً، ولم يلبث سيد قطب أن ربط الجانب الشكلي الفني بمحتوى فكري؛ لأن الكاتب يصدر عن موقف فكري شامل: "ينبع من تصور معين للحياة ولعلاقة الإنسان بالكون وبأخيه الإنسان، ومن العبث تجريد الأدب من قيمه؛ إذ لا يبقى بعد التجرد إلا عبارات خاوية، أو خطوط صماء"؛ لأن سيد قطب يرى أنه لا بد أن يكون الأدب دالاًّ على موقف فكري، فإنه لا بد أن يكون للإسلام أدبه الذي يحمل سماته، وهنا تبلور لديه مفهوم الأدب الإسلامي في مشروعه النقدي، الذي لم يتيسر له النشر والترويج اللائقان به، خاصةً فيما يتعلق بجهود سيد قطب في التنظير له.
وعندما تولى رئاسة تحرير مجلة الإخوان المسلمين عام 1954م نهض من العدد الأول للدعوة إلى أن الأدب الإسلامي أدبٌ موجّه بطبيعة التصور الإسلامي للحياة، وهي طبيعة حركية دافعة للانتماء والإبداع، ذلك أنه من المحال أن تقع العقيدة الإسلامية في قلب وتظل سلبيةً.. إنها تدفعه للإبداع فلا يسير الأدب في ظل التصور الإسلامي أسيرًا اعتباطيًّا عشوائيًّا، بل يصدر عن قيم، وتمده حركته بالحيوية الزاخرة، وتبرز في مظاهر تلك الحركة، ونعرف منه أن الإسلام لا يحارب الفنون والآداب في ذاتها، ولكن له مواقف من بعض القيم التي يمكن أن تحتويها الآداب والفنون.
والإسلام لا يحتفل كثيرًا بتصوير لحظات الضعف البشري، ولا يتوسع في عرضها، وصحيح أن الأدب الإسلامي يتناول تلك اللحظات، ولكنه لا يلبث أن يطلق البشرية من الضعف البشري وينطلق بها من عقال الضرورة وضعفها، فهو لا يؤمن بسلبية الإنسان، بل يهتف لهذا الكائن بأشواق الاستعلاء والطلاقة والترقِّي، وهو يعني بذلك عدم جعل لحظات الضعف البشري- كالزنا مثلاً- غايةً في ذاتها، ويركز عليها ويبرز تفاصيلها بإلحاح، بل يسمو بها ويجعلها وسيلةً إلى الصعود لا مدعاةً للهبوط والسقوط، وقد شهدت مجلة الإخوان المسلمين مناقشاتٍ كثيرةً حول الأدب الإسلامي شارك فيها كثير من الأدباء والنقاد.
مع نجيب محفوظ وطه حسين
أ. نجيب محفوظ

كان سيد قطب من أبرز نقاد جيله؛ لذلك كانت له مواقف محددة من الأسماء الكبيرة اللامعة أو التي بدأت تشق طريقها نحو النجومية، فكان موقفه من قضية تسمية تصنيف القرآن ضمن النثر أو تصنيفه كجنس أدبي لا ينتمي إلى النثر؛ حيث قرر سيد قطب أن القرآن الكريم هو نثر في أعلى درجات النثر؛ مخالفًا في ذلك د. طه حسين الذي كان يرى عدم تصنيف القرآن من النثر، وقد كان سيد قطب واعيًا لخطورة عدم وضع القرآن الكريم ضمن النثر؛ حيث إن هذا التصنيف يفضي إلى إسقاط التحدي البلاغي الذي جاء لتثبيته، واعترف الأديب الروائي الكبير نجيب محفوظ بفضل سيد قطب عليه، ورغم ذلك لم يبدِ أي تعاطف إنساني في قضيته.
وكتب عنه سليمان فياض (اليساري)، مشيرًا إلى ثقافته ناقدًا وشاعرًا، وكذلك أنصفه عددٌ من النقاد، لكنَّ الغالبة المتحكمة في المنابر الثقافية في عالمنا العربي تتعمد تجاهل المشروع النقدي لسيد قطب، رغم ريادته غير المسبوقة الفني في النقد الأدبي.
ختام مشروعه النقدي
بعد أن كان سيد قطب متفرغًا للعمل الأدبي تحول في النصف الثاني من الأربعينيات إلى الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والسياسية وقضايا الإسلام والمسلمين، ثم سافر إلى أمريكا في بعثة دراسية، ومن هناك كتب ردًّا على خطاب أرسله له صديقه الناقد أنور المعداوي، جاء فيه: "تنتظر عودتي لأخذ مكاني في ميدان النقد الأدبي.. أخشى أن أقول لك إن هذا لن يكون، وإنه من الأولى لك أن تعتمد على نفسك إلى أن ينبثق ناقدٌ جديدٌ.. إنني سأخصص ما بقيَ من حياتي وجهدي لبرنامج اجتماعي كامل، ويكفي أن أجدك في ميدان النقد الأدبي، وما هذا البرنامج الاجتماعي إلا الانصراف إلى الدعوة الإسلامية وترك كل شيء سواها، وعندما عاد سيد قطب من أمريكا كان انضمامه إلى جماعة الإخوان المسلمين، التي وجد فيها حلمه الذي اقتنع بإمكانية تحقيقه إذا تعاون مع العاملين في هذه الجماعة، وما لبثَ أن صار سيد قطب أحد العقول الكبرى في جماعة الإخوان المسلمين، وظل فيها حتى لقيَ ربه شهيدًا وشاهدًا على عصر الظلم والطغيان والاستبداد.
رحم الله الشهيد سيد قطب الناقد، العالم، المفسِّر، الوفِيِّ لدينه وعقيدته، وحقًّا ما قاله رحمه الله: " إن كلماتنا تظل عرائسَ من شمع، حتى إذا متنا دبَّت فيها الحياة".
![]() |
الإصلاح الاجتماعي والسياسي في مشروع سيد قطب
بقلم: كامل عبد الفتاح (باحث دكتوراه)
تؤكد دراسة حياة سيد قطب أنَّ أفكاره قد تطورت تطورًا كبيرًا من فترةٍ لأخرى ففي بداية حياته العملية اهتمَّ بالكتابةِ في الصحف وإن فضَّل التدريس على الصحافة، كانت كتاباته أدبية بالدرجة الأولى؛ حيث اهتمَّ بالمعارك الأدبية في ثلاثينيات القرن العشرين حتى أصبح ناقدًا أدبيًا يُشار إليه بالبنان، وفي نهاية العقد الثالث تحول إلى الكتابة الاجتماعية خصوصًا بعد إنشاء وزارة الشئون الاجتماعية وبروز مجلتها "الشئون الاجتماعية" فشارك فيها بمقالاته الاجتماعية حتى أصبح أبرز كُتَّابها بسبب العلاقة التي ربطت بينه وبين وزير الشئون الاجتماعية "عبد العظيم عبد الحق" ثم لجودة مقالاته التي بحثت في جذور المشكلات الاجتماعية ووضعت الحلول المنطقية لها.
وفي تلك الفترة التفتت أنظار الإخوان المسلمين إلى سيد قطب لمقالٍ كتبه عن العري على الشواطئ ذكر فيه أفضل الحلول هي ترك الشواطئ لاهية لاعبة فذلك خير ضمان للأخلاق بحجة أنَّ الجسد العاري لا يُثير الشهوة، وقد توصلنا إلى أنَّ ذلك المقال ليس دليلاً على مجون سيد قطب بل دليل على محاربته للفساد الخُلقي بطريقة غير مألوفة- لا نوافق عليها- ودليلنا أنَّ مقالاته جميعها لا يوجد بها حضٌّ على الفساد، بل كان دائمًا يحارب الغناء الماجن ولا يسمح بحرية الاختلاط ويضع القيود عليها، واعتبرها سببًا من أسباب الأزمة الزوجية وحارب البغاء ووضع الحلول المنطقية للقضاء على دور البغاء بمحاربة منابعه ورعاية البغايا لمساعدتهم على التوبة، ولم يكتف بالنص على تجريم البغاء في القانون.
اهتمامه بالفقراء
وغلب على اهتماماته دراسة مشكلات الفقر والجوع في الأرض، والدعوة للارتقاء بالقرية والمدينة وتقريب الفوارق بين الطبقات، وفرض الضرائب التصاعدية على الأغنياء مع دعم الاحتياجات الأساسية للفقراء وربط الأجور بالأسعار، ومحاربة الغلاء المصطنع، وجشع التجار، واقترح إعطاء المواطنين حق الضبطية القضائية، وبذلك كان أول مَن دعا إلى ضرورة إشراف الدولة على الأسعار حماية للفقراء.
وكان يؤمن بأهمية دور الدولة لذا طالبها بالتدخل وفرض الإصلاح بقوة القانون فاقترح إصدار مجموعة قوانين أخذت الدولة برأيه في بعضها وأهملت البعض الآخر حينًا من الزمن، ومن ذلك أنه طالب بإصدار مشروعي قانون النقابات وقانون عقد العمل وقانون آخر يضع حدًا أدنى للأجور مع تعديل الحد الأقصى لساعات العمل وتعديل قانون إصابات العمل وكانت دعوته عام 1941م.
واعترفت الحكومة بالنقابات العمالية في 6 سبتمبر عام 1942م وصدر القانون رقم 72 لسنة 1946م الخاص بتنظيم ساعات العمل في المحال التجارية ودور العلاج والقانون 106 لسنة 1948م للتوفيق والتحكيم في منازعات العمل ثم قانون عقد العمل الجماعي، مما يعد تنفيذًا لاقتراحات قطب وغيره من المصلحين.
مشكلة الهجرة
ومن المشكلات التي تعرَّض لها قطب ولا زالت الدولة تبحثها إلى الآن مشكلة الهجرة من الريف إلى المدينة والتي ناقشها في الأربعينيات ونادى بضرورة حلها عن طريق توفير فرص العمل في الريف والتوسع في استصلاح الأراضي وتوفير الخدمات لأهل الريف مع الاهتمام بالصناعات الزراعية وتحسين السلالات الحيوانية، كما طالب بالإسراع في إصدار قانون التأمين على الماشية، وهي مقترحات تسعى الدولة لتطبيقها اليوم في محاولةٍ منها لسد الفجوة الغذائية.
ثم تحول من اقتراح إصدار القوانين إلى نشر نماذج لقوانين دعا الدولة إلى الأخذ بها وكان قد نشرها في مجلة الفكر الجديد عام 1948م منها قانون بفرض الضرائب التصاعدية على الأغنياء وآخر يحدد الملكية الزراعية بمائة فدان للفرد مع رد كل الأراضي للدولة دون تعويض لتوزيعها أو تأجيرها للفلاحين ثم يصبح ملكًا لهم بعد عشر سنوات، وقد أيدت حكومة اقتراحاته الخاصة بتحديد الملكية في قانون الإصلاح الزراعي عام 1952م.
نظرية للعدالة
ثم تطور فكره، ووضع نظرية اجتماعية إسلامية لتحقيق العدالة الاجتماعية والجديد فيها أنه أوضح أسس وقواعد ووسائل تحقيق العدالة من منظورٍ إسلامي، واستنبط مفرداتها من الإسلام وقارن بين النظام الاقتصادي والاجتماعي في الإسلام من ناحية وبين النظم والاقتصادية الأخرى، ثم دعا إلى إقامة مجتمعٍ إسلامي مبرزًا خصائصه، محاولة منه للفت أنظار رجال الثورة وحثهم على تحويل المجتمع المصري إلى مجتمع ينفذ تعاليم الإسلام الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.. إلخ.
وكانت له رؤية خاصة في التعليم حيث اهتمَّ برفع المستوى العلمي والمادي والأدبي للمعلمين وهو منهم وتوفير الاحترام والتقدير لهم، وطالب بإصلاح مناهج اللغة العربية والتخفف من أبواب الصرف وتبسيطها والاهتمام بتدريس اللغات الأجنبية خصوصًا الإنجليزية والعبرية في المعاهد العليا وعارض تدريس اللغات في التعليم الابتدائي حتى لا ينشغل عقل التلميذ بلغتين في وقتٍ واحد، ويكون اهتمامُه الأول بدراسة اللغة العربية ولفت الأنظار إلى خطورة تدرس اللغات في مرحلة التعليم الابتدائي، وطالب بإعادة كتابة التاريخ الإسلامي من وجهة نظر إسلامية تعتمد أساسًا على المصادر العربية والإسلامية والرؤية الإسلامية لأحداث التاريخ مع الاستفادة من الأسلوب الغربي في مناهج البحث التاريخي، كما طالب بأن تنبع المناهج من البيئة والثقافة المصرية مع عدم الاستفادة من التقدم العلمي لدول أوروبا والعمل على ربط التعليم بالواقع وحاجات المجتمع.
قضايا المرأة
ناقش قطب قضايا ومشكلات المرأة المصرية مثل الاختلاط والزواج والطلاق وتعدد الزوجات، وكان رأيه أنَّ تعدد الزوجات أمر مباح فقط وليس على سبيل الإلزام الفردي، كما ناقش قضية عمل المرأة وفضل أن يكون عملها مناسبًا واقترح مهنًا بعينها مثل التدريس، والطب، وإن كان يرى أنَّ الأولى لها أن تربي أولادها فذلك أفضل لها وللمجتمع، كما أنَّ على المرأة أن تتثقف ثقافة تساعدها على تربية أولادها وحفظ بيتها وزوجها.
ثم تحول إلى الكتابة السياسية عام 1945م ، وكان قد كتب قبل ذلك مقالاتٍ سياسية في موضوعات متفرقة، وقد شغلت القضية الوطنية فطالب بالجلاء ووحدة وادي النيل ورفض أسلوب المفاوضات لعدم جدواه، واشترك في المطالبة بإلغاء معاهدة 1936م والدعوة إلى الكفاح المسلح ضد الإنجليز عام 1951م وعندما استجابت الحكومة الوفدية للضغوط الشعبية وألغت معاهدة 1936م، طالبها بمساندة كفاح الفدائيين في القناة وحذَّر من التحالف مع الإنجليز أو الدخول في أحلافٍ عسكرية.
قضية فلسطين
وناقش قضية فلسطين- قضية العرب والمسلمين الأولى- وشارك في الدفاع عنها بمقالاته وفضح سياسة إنجلترا التي سمحت بالهجرة إلى فلسطين ، كما ندد بمسلك العرب وتقاعسهم تجاهها، ورأى أنَّ العداء بين اليهود والمسلمين ضاربٌ في أعماقِ التاريخ، بل إنَّ اليهود كانوا وراء كل إفسادٍ في الأرض ووراء كل فتنة حدثت في الدولة الإسلامية، وكانت له نظرة بعيدة المدى؛ حيث نادى بتعمير سيناء وإقامة المشروعات الاقتصادية والاجتماعية فيها وتوطين المصريين بها حتى تتحول إلى خط دفاع أول ضد أطماع اليهود، وقد تحققت أطماعهم فيها باحتلالهم لها عام 1967م وتتجه الدولة بعد تحرير سيناء لتعميرها وتوصيل مياه النيل إليها واستصلاح أرضها، وذلك تمشيًا مع ما طالب به قطب في أواخر الأربعينيات ونادى به غيره من المصلين.
وكانت كتاباته تحارب الاستعمار بكل صوره وأشكاله، وتحذر من الاستعانة بمستعمر على آخر، ونادى بوقوف البلاد الإسلامية كلها موقفًا موحدًا ضد الاستعمار ثم تطورت دعوته فدعا إلى أنَّ تتكتل الدول الإسلامية في وحدة واحدة يجمع بينها "اتحاد كونفترالي" على أساس العقيدة الإسلامية.
وقد رفض الدعوة القومية العربية إذا انفصلت عن الدعوة إلى الوحدة الإسلامية، ورحَّب بها إذا كانت خطوة نحو الوحدة الإسلامية الكبرى.
عهد الثورة
وعندما قامت ثورة 23 يوليو عام 1952م أعلن تأييده لها وتبني أهدافها ودافع عن شرعية وجودها بمقالاته الصحفية.
وكانت علاقته وثيقة بالثوار وازدادت توثقًا بعد قيام الثورة فكان المدني الوحيد الذي يحضر جلسات مجلس قيادتها؛ بل إنَّ الثوار تأثروا بكتاباته ومقالاته ومنها كتاب العدالة الاجتماعية في الإسلام "الذي قرأه معظمهم.
وبسبب شدة تأييده للثورة أطلق عليه لقب ميرابو الثورة المصرية تشبيهًا له بميرابو أشهر خطباء الثورة الفرنسية؛ لأنه أيَّد كل مطالب الثورة فأعلن تأييده لقانون الإصلاح الزراعي وندد بمحاولة الأحزاب احتواء الصورة، ووقف معاديًا بحركة عمال كفر الدوار واتهم الشيوعيين بتدبيرها.
وطالب بإلغاء دستور 1923م كما طالب محمد نجيب بتطبيق ما أسماه دكتاتورية عادلة لمدة 6 شهور حتى تستقر الأمور والأوضاع للثوار وتتدعم سلطاتهم السياسية، ثم اتزنت علاقته برجال الثورة فطالب بالإفراج عن المسجونين السياسيين بما فيهم الشيوعيين، وحاول لفت انتباه الثوار إلى أهمية بناء مجتمع إسلامي لكنهم تحولوا عن ذلك وبدأ الخلاف يزداد بينهم وبين الإخوان المسلمين فأخذ جانب الإخوان حتى تمَّت محاكمته عام 1954م بتهمة الإشراف عن المنشورات السرية ضد الحكم الثوري وحُكِمَ عليه بالسجن لمدة 15 عامًا.
قضية جاهلية المجتمع
كانت مرحلة السجن مرحلة جديدة غيَّرت علاقاته بجميع الأطراف سواء الثوار أو الشيوعيين أو الإخوان المسلمين أنفسهم، وأصبحت فترة تأمل وإعادة تفكير في مسيرة الحركة الإسلامية ودراسة الظروف التي مرت بها ومحاولة إعداد برنامج يمكن أن تسير عليه الجماعة الإسلامية، يعتمد على التربية طويلة المدى ورفض الانشغال بأمور الحكم والسياسة، وعدم السعي للاستيلاء على الحكم بالقوة، فالتربية الطويلة وإعادة زرع العقيدة هما السبيلان لإقامة الحكم الإسلامي من وجهة نظره؛ حيث تحوَّلت أفكاره بعد أن كانت تدعو على إعداد برامج إصلاحية تتخذ من القانون سندًا وتعمل على حل مشكلات المجتمع إلى التفكير في إعادة بناء مجتمع إسلامي.
كانت فكرته المحورية أنَّ المجتمع جاهلي لأنه يرفض حاكمية الله تعالى ولا يعترف بمنهجه في الحياة، ومن ثَمَّ امتنع عن وضع الحلول لمشكلات المجتمع الذي لا يحكم بالإسلام وعدَّ مَن يُقدِّم حللاً للمجتمع الجاهلي مستهزءًا بالإسلام.
فالواجب أن يطبق المجتمع تعالم الإسلام في نواحي الحياة، وأن يفهم المعنى الحقيقي لكلمة "لا إله إلا الله" في الإسلام؛ من وضعة نظره؛ وقد اعترض كثير من الفقهاء والعلماء على رأيه في هذه الجزئية.
وكان بين المصطلحات المختلف علها مصطلح (الجاهلية)، وكان يقصد إطلاقه على المجتمعات التي لا تعترف بحكم الله ولا تطبق شريعته، وقد فهمتُ من تتبعي لكثيرٍ من تحليلاته أنها لا تعني الكفر وأنها تعني الجهل بشريعة الله في الشريعة الإسلامية، وتعني الكفر في المجتمعات الشيوعية وغيرها، ولم يقصد بالجاهلية تكفير أفراد المجتمع إنما وصف المجتمع كشخصٍ اعتباري بالجاهلية؛ لأنه لا يطبق المنهج والشريعة الإسلامية، فالمجتمع المكي كان قبل الهجرة مجتمعًا جاهليًا بالرغم من وجود النبي- صلى الله عليه وسلم وصحابته فيه؛ لعدم تطبقه لشريعة الله.
كما أنَّ المجتمع الإسلامي في المدينة قد جمع بين المسلمين وغيرهم من اليهود والمنافقين؛ وذلك يدل على أنَّ وصفه للمجتمع بالجاهلية لا يعني أنَّ أفراد ذلك المجتمع كفار، والمجتمع الإسلامي يجمع بين المسلمين وغيرهم.
الشورى والجهاد
أما عن الشورى فقد اعتبرها لازمة التطبيق، ولا يجوز تأجيلها وهي ملزمة للحاكم وإن خالفت رأيه والشورى تكون في الموضوعات التي لا نصَّ فيها من القرآن والسنة بحيث لا تخالف القرآن والسنة، ولا يشترط في الحاكم أن يكون بارعًا في الفقه، وإنما اشترط أن يلتزم بالحكم العادل وأن يطبق شريعة الله وإلا سقطت طاعته، وقد أثار ذلك كثيرًا من الاعتراض.
وأما عن الجهاد فقد نظر إليه باعتباره لا يقتصر عن الدفاع فقط بل يتعدى ذلك إلى إزالة العقبات التي تحول دون انتشار الإسلام، وذلك لا يعني إكراه الناس على الدخول فيه.
كما أوضح أنَّ مرحلية أحكام الجهاد ليست منسوخة وللأمة الإسلامية أن تطبق ما يلائمها من أحكامه حسب ظروفها.
وقد تأكد لسيد قطب أنه لم يستطع إقامة المجتمع الإسلامي الذي يسعى إليه عن طريق خطوات الإصلاح المتفرقة أو وضع الحلول والنظريات لمشكلات المجتمع الجاهلي المختلفة، وأنَّ الطريق هو تربية طليعة مؤمنة بعقيدة "لا إله إلا الله" بمعناها الحقيقي، ومعنى أنَّ الحاكمية لله وحده وأن تقوم هذه المجموعة بالاتصال بالمجتمع "الجاهلي" من جانب وأن تمارس العزلة من جانب آخر ورفض الانغماس في القضايا السياسية أو السعي للاستيلاء على السلطة لتطبيق الإسلام مرحليًا، فالإسلام لا يجوز فرضه بالقوة بل يجوز دعوة الناس إليه.



















من الأردن
رحم الله شهداء الامة و اسكنهم فسيح جنانه
اخي الراقي حامد
جزاك الله كل خير عل المعلومات الطيبة عن العلامة سيد قطب
دمت بخير من الله
ولك كل التقدير و الاحترام